عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

51

اللباب في علوم الكتاب

فيكون عطفا على « فرحين » كأنه قيل : فرحين ومستبشرين ، ونظّروه بقوله تعالى : فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ [ الملك : 19 ] . الثاني : أنه - أيضا - يكون من باب عطف الفعل على الاسم ، ولكن لا لأن الاسم في تأويل الفعل ، قال أبو البقاء هو معطوف على « فرحين » لأن اسم الفاعل - هنا - يشبه الفعل المضارع يعني أن « فرحين » بمنزلة يفرحون ، وكأنه جعله من باب قوله : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ [ الحديد : 18 ] والتقدير الأول أولى ، لأن الاسم - وهو « فرحين » لا ضرورة بنا إلى أن نجعله في محل فعل مضارع - حتى يتأول الاسم به - والفعل فرع عليه ، فينبغي أن يردّ إليه . وإنما فعلنا ذلك في الآية ؛ لأن « أل » الموصولة بمعنى : الذي و « الذي » لا يوصل إلا بجملة أو شبهها ، وذلك الشبه - في الحقيقة - يتأول بجملة . الثالث : أن يكون مستأنفا ، والواو للعطف ، عطفت فعلية على اسمية . الرابع : أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف ، أي : وهم يستبشرون ، وحينئذ يجوز وجهان : أحدهما : أن تكون الجملة حالية من الضمير المستكن في « فرحين » أو من العائد المحذوف من « آتاهم » وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ عند جعلنا إياها حالا ؛ لأن المضارع المثبت لا يجوز اقترانه بواو الحال لما تقدم مرارا . الثاني من هذين الوجهين : أن تكون استئنافية ، عطف جملة اسمية على مثلها . و « استفعل » - هنا - ليست للطلب ، بل تكون بمعنى المجرد ، نحو : استغنى اللّه - بمعنى : غني ، وقد سمع بشر الرجل - بكسر العين - فيكون استبشر بمعناه ، قاله ابن عطية . ويجوز أن يكون مطاوع أبشر ، نحو : أكانه فاستكان ، وأراحه فاستراح ، وأشلاه فاستشلى ، وأحكمه فاستحكم - وهو كثير - وجعله أبو حيّان أظهر ؛ من حيث إن المطاوعة تدل على الاستفعال عن الغير ، فحصلت لهم البشرى بإبشار اللّه تعالى ، وهذا لا يلزم إذا كان بمعنى المجرد . قوله : مِنْ خَلْفِهِمْ في هذا الجارّ وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « لَمْ يَلْحَقُوا » على معنى أنهم قد بقوا بعدهم ، وهم قد تقدموهم . الثاني : أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من فاعل « يَلْحَقُوا بِهِمْ » ، أي : لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلّفين عنهم - أي : في الحياة - . فصل معنى الكلام : ويستبشرون : يفرحون بالذين لم يلحقوا بهم ، من إخوانهم الذين